عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
54
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
ومنها : أنه أهدي له من المنستير حمل عنب ، وبعثه الذي أهداه مع بعض أصحابه ، فلما وصل الحمل بالعنب إلى الشيخ ، ودخل الرجل يسلم عليه قال له : يا ولدي لأي شيء خنت أمانتك وغلبتك نفسك ، وتناولت من الحمل عنقودا عنبا ، وقلت في نفسك : ما يعرف بهذا أحد ، والذي يخون في القليل ، يخون في الكثير ، هلا اشتريت بدرهم عنبا وجعلته زادك ؟ وأخذ يتكلم ، وقصد به صاحب العنقود وغيره لحضور جمع كثير من الفقراء ، وربما كان مع أحدهم دعوا ، وهو أنفس ، فكان كلامه أدبا للجميع . ومنها ما تحدث به الحاج نصر قال : كنت أسير في بعض حوائجي ، وإذا بغازية « 1 » كبيرة . فلما وصلوا إليّ ، عرفوني وكانوا يطلبون بعض أقاربي [ بطلب ] « 2 » ، فلما قربوا مني قصدوا إلي بأجمعهم ، فقلعوني عن فرسي ، وداروا علي حلقة واحدة وأرادوا إهلاكي فناديت : يا سيدي أبا علي سالم ! [ أنت الحاضر ] « 3 » عند أولادك أينما [ كانوا ] « 4 » . وإذا به واقف عند رأسي ، فأخذني بين يديه ، وفحج عليّ بساقيه وقال لي : لا تخف يا نصر يا ولدي ، قد دفع اللّه عنك شرّهم ، ثم أخذ بيدي وسألني « 5 » وردّني على فرسي وقال لي : سر إلى أهلك . ونظرت فلم أر الخيل ، وحجب اللّه أبصارهم عنّي ، ولم أدر أين ساروا ، فوصلت إلى أهلي سالما ببركته . فلما استرحت عند أهلي ، جئته زائرا فسلمت عليه ، فقال لي : يا نصر إيّاك أن تتحدث بما رأيت لئلا أقاطعك ، فعاهدت اللّه أن لا أتحدث إلا بعد وفاته ، فلما توفّي تحدثت بذلك . ومنها ما حدثني من أثق به : أنه وقف « 6 » عليه الشيخ أبو إسحاق الماجوري مع غيره ، وجاء خلق كثير من البوادي بالفتوح « 7 » والغنم ، فامتلأت الزاوية ، فدخل أبو إسحاق البويتة التي كان يختلي « 8 » فيها الشيخان : عمار ، والدكالي ، فاضطجع فيها ، وبقي متفكرا فيما « 9 » فتح اللّه به على الشيخ أبي علي سالم وقال : واللّه ما هذه إلا
--> ( 1 ) الغازية : هم قطاع الطريق . ( 2 ) زيادة من : ت . ( 3 ) في ت : ما أنت إلا حاضر . ( 4 ) سقط من : ت . ( 5 ) لعل الصواب : سلّني . ( 6 ) ت : ورد . ( 7 ) كلمة عامية . وهو ما يعطى هدية قصد التّبرّك . ( 8 ) في ط : يختفي ، التصويب من : ت . ( 9 ) سقط من : ت .